عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي
108
مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي
فتبرَّأ من حوله وقوته ومشيئته بدون مشيئة الله وحوله وقوته ، وأقرَّ لربِّه بقدرته عَلَى كل شيء ، فإن العبد عاجزٌ عن كل شيء إلاَّ ما أقدره عليه ربَّه . ففي هذا الكلام : إفرادُ الربِّ بالحوْل والقوة ، والقُدرة والمشية ، فإن العبد غيرُ قادرٍ عَلَى ذلك كله إلاَّ عَلَى ما يقدره مولاه ، وهذا نهاية توحيد الربوبية . وللشافعي - رحمه الله - من أبيات : ما شئتَ كان وإنْ لم أشأ . . . وما شتُ إِنَّ لم تشأ لم يكن وقد حمل طائفةٌ - منهم الإمام أحمد - كلامَ ابن عباس في تأويل الآية عَلَى وجه آخر ، وهو أنَّ الرجل إذا قال لا أفعل كذا وكذا ، ثم أراد فعلَه فإنَّه يستثني ، ثم يقول : إنْ شاء الله ، ثم يفعلُه ويتخلَّصُ بذلك من الكذب إِن لم يكن قد حلف عليه بيمين . وكان يحيى بن سعيد القطان إذا قال : لا أفعل كذا ، لا يفعله أبدًا . فَإِذَا قيل له : لَمْ تحلف . يقول : هذا أشد - يعني الكذب - لو كنتُ حلفت كان أهون ، كُنت أكفر يميني وأفعله . وسُئل الإمام أحمد عمَّن يقول لا آكل ، ثم يأكل . قال : هو كذب ، لا ينبغي أنْ يفعل ذلك . ( ونقل ) ( * ) الوليدُ بن مسلم في كتاب " الأيمان والنذور " - عن الأوزاعي ، في رجل كُلِّم من شيءٍ فيقول : نعم ، إنْ شاء اللَّه ( ومن نيته أن لا يفعل ) ( * * ) قال : هذا الكذب والخُلف . قال : إنَّما يجوز المُستثنى في اليمين . قِيلَ لَهُ : فإن قال : نعم إنْ شاء الله ، ( ومن نيته ) ( . . . ) أنْ يفعل ، ثم بدا له أن لا يفعل . قال : له ( ثُنياه ) ( * * * * ) . وهذا يدل عَلَى أن الاستثناء بالمشيئة في غير اليمين ، إِنَّمَا ينفع لمن لم يكن مصممًا عَلَى مخالفة ما قاله من أول كلامه .
--> ( * ) وسُئِلَ : " نسخة " . ( * * ) وما نيته إلا أن لا يفعل : " نسخة " . ( . . . ) ما بنيته : " نسخة " . ( * * * * ) استتناؤه مخالفة ما قال . " نسخة " .